الاستماع إلى الله 04 | Free Online Biblical Library

الاستماع إلى الله 04

الدرس الرابع الاستماع إلى الله

 الحياةُ رحلةٌ :Course

الاستماع إلى الله: Lecture 4
 

 

عندما صرنا مسيحيين دخلنا في علاقةٍ جديدة. وأحد العناصر الحاسمة في أية علاقةٍ هو التواصل، أي التحدّث والاستماع. أريدُ أنْ أتحدّث اليوم عن الاستماع إلى الله بما أنّنا "دائماً" نسمع قبل أنْ نتحدّث.

أ‌.     الإعلان

هناك ثلاثة مفاهيم أريدُ أنْ أتأكّد من إدراكنا لها فيما نتحدّث عن معنى الاستماع إلى الله. المفهوم الأول هو الإعلان. والإعلان ببساطةٍ هو كشف الله عن نفسه لنا. الإعلان معناه أنْ يتكلّم الله حتى نتمكّن من الاستماع إليه. يكلّمنا الله، ونحن نسمعه بطريقتين أساسيّتين.

 

1. الإعلان العامّ

ندعو الطريقة الأولى الإعلان العامّ، أي المعلومات المتوفرة عن الله لجميع الناس في كل العصور. يتكلّم الله في الإعلان إلى جميع الناس، ويمكن لجميع الناس سماع ما يقوله. كان بولس يتحدّث عن حقيقة خطية الناس ومسؤوليتهم عن خطيتهم في الفصل الأول من رسالة رومية. يقول بولس في هذا السياق ابتداءً من الآية 19، "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ". يقول بولس إنّ الله يتكلّم في الخليقة بوضوحٍ وصراحة، وإنّ جميع من عاشوا على الأرض، بغضّ النظر عن الزمان والمكان، يمكنهم أنْ يسمعوا هذا الصوت الخاص من الله. كان الله يخبرنا بأمورٍ ثلاثة. كان الأمر الأول الذي يقوله ضمنياً هو "أنا موجودٌ".

أما الأمر الثاني فهو أنّه يخبر الجميع عن سلطانه. وكان الأمر الثالث هو أنّ الله يخبر الجميع عن لاهوته. واللاهوت معناه ببساطةٍ أنّ الله منفصلٌ عن الخليقة، وأنّ الخليقة لا تفسِّر سببَ وجودها، ولكنها تكشف أنّ خالق الخليقة ساكنٌ خارجَ نطاقِ الخليقة. يقول بولس إنّ الله كان يتكلّم بهذا في الخليقة، ويعلن ذلك لجميع الناس، وإنّ جميع الناس كانوا قادرين على سماع صوته.

يختار المرنّم هذا الموضوع نفسه في المزمور 19. في الحقيقة، يتغنّى هذا المزمور بإعلان الله. يكتب المرنّم بدءاً من الآية الأولى، "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَماً وَلَيْلٌ إِلَى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْماً. لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ". يتكلّم الله في الخليقة نفسها، ويعلن وجوده وسلطانه وألوهيّته؛ وهذه هي صفات الله غير المنظورة. فيما نفكر في الاستماع إلى الله، علينا بالتأكيد أنْ نتعلّم الاستماع والانتباه إلى صوته في الخليقة، أليس كذلك؟ من المعتاد أنْ تنطلقوا إلى ساحل أوريغون وتتأملوا قائلين، "هذا مشهدٌ بديع". ولكن ما يجب أنْ تفعلوه هو أنْ تقولوا، "هذا الساحل بديعٌ لأنَّ إلهاً بديعاً خلقه". نفكّر في الله فيما نشاهد غروب الشمس فوق هذه الشواطئ الواسعة. وهذا هو ما تفعله تلك الشواطئ، فهي تحدّث بمجد الله.

ننظر إلى صور المجرّات -وهي من الأشياء المفضلة التي أنظرُ إليها-فنرى المسافة واللمعان والقوة، ولكن أكثر ما يجب أنْ نراه هو القوة الهائلة لله للخالق الذي صنع ملايين المجرّات. عندما نشاهد الزهور عن قربٍ، ونرى تركيبها، ورقّتها، وجمالها، فإننا نفكّر في الله الذي يعلن عن نفسه لنا من خلال الزهرة رغم انفصاله عنها. علينا أنْ نتعلّم الاستماعَ لما يقوله الله عموماً، والاستجابةَ لكلامه العامّ من خلال خليقته. هذا شيءٌ واضح، أليس كذلك؟ هذا شيءٌ واضح وعميق، ومع ذلك فقد تجلسون عند ساحل أوريغون قدرما تريدون ولكنكم لن تسمعوا الله يقول لكم، "لقد مات ابني على الصليب من أجل خطاياكم". لا يقدر الإعلان العامّ أنْ يعلّمنا، على سبيل المثال، أنّ الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان. نحن بحاجةٍ إلى نوعٍ آخر من الإعلان لكي نتعلّم ذلك، وهو ما ندعوه الإعلان الخاصّ.

2. الإعلان الخاصّ

الإعلان الخاصّ هو معلوماتٌ عن الله متوفّرة لبعض الناس لبعض الوقت. الإعلان الخاصّ معناه أنْ يتكلّم الله إلى بعض الناس القادرين على سماع ما يقوله. الإعلان الخاصّ هو الاسم التقنيّ لما نسمّيه أيضاً الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس له أسماء عديدة: الأسفار المقدسة، والكلمة، وكلمة الله. وهو يحتوي على الإعلان الخاص، وهو الطريقة التي يكلّمنا بها الله، حتى لو لم يقدر آخرون في أماكن أخرى من الأزمان الأخرى أنْ يسمعوا الشيء نفسه.

ترد في المزمور 19 بعض الآيات القليلة الأخرى التي يستفيض فيها المرنّم عن الخليقة المعلنة لوجود الله، وينتقل في الآية السابعة إلى الإعلان الخاص قائلاً، "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ". وتعبير "ناموس الربّ" معناه الكتاب المقدس. "شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيماً. وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ. أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ". تقول الآية العاشرة، "أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ. أَيْضاً عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا وَفِي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ". المزمور 19 هو احتفاءٌ بحقيقة أنّ الله اختار أنْ يكلّمنا حتى يمكننا في الواقع أنْ نسمعه. يمكننا أنْ نسمع عن وجوده وسلطانه وألوهيّته فيما يكلّمنا من خلال الخليقة، ولكن يمكننا أنْ نتعلّم أكثر من ذلك بكثيرٍ فيما يكلّمنا من خلال إعلانه الخاصّ، أي الكتاب المقدس.

ب‌. الكتاب المقدس

سوف أختار في نصف ساعةٍ ما أريدُ أنْ أشاركه معكم بخصوص الكتاب المقدس، هناك المزيد ممّا يمكن أنْ يقال. ولكنّ الأمر الذي كنتُ أودّ قوله هو كيفية رجوعنا إلى الكتاب المقدس، وتعاملنا معه، واقتباس آياته. ينقسم الكتاب المقدس في الأساس إلى قسمين ندعوهما العهد القديم والعهد الجديد. وينقسم كلٌ من هذين العهدين إلى أسفارٍ. يحتوي العهد القديم على 39 سفراً والعهد الجديد على 27 سفراً.

أريدُ أنْ أشجعكم على مطالعة كتابكم المقدس، أو البحث في جدول محتوياته للتعوّد على أسماء الأسفار إنْ كنتم غير معتادين عليها. إذا قلتُ "رسالة تيموثاوس الثانية"، فعليكم أنْ تقولوا، "هذا سفرٌ في الكتاب المقدس". ينقسم العهدان إلى أسفارٍ، وتنقسم الأسفار بدورها إلى فصول، والفصول إلى آيات. أمّا طريقة اقتباس آية من الكتاب المقدس فهي أنْ نقول، على سبيل المثال، "يوحنا 16:3 ..." وهذا معناه أنّ يوحنا هو اسم السفر الذي يرد في العهد الجديد، أمّا الرقم 3 فهو رقم الفصل، والرقم 16 هو رقم الآية. ولذلك، لم أرد اقتباس آيات الكتاب المقدس في وقتٍ سابق، ولكنّي أستطيعُ ذلك الآن. يوحنا 16:3- السفر، والفصل، والآية. لديكم أيضاً كتيّب أودّ أنْ أشجّعكم على مطالعته، إذ يستعرض جميع أسفار الكتاب المقدس مقسّمة إلى فئاتٍ، وسوف يساعدكم على معرفة محتويات الكتاب المقدس ومكانها، ولذلك عليكم قضاء بعض الوقت في مطالعة هذا الكتيّب.

ج. أربعة موضوعاتٍ مهمّة

لا يمكنني الحديث عن الكتاب المقدس دون أنْ أذكر أربعة موضوعاتٍ. لن يسعفني الوقت لمناقشتها بالتفصيل، ولكنّي أريدُ أنْ أذكر استنتاجاتٍ عن هذه الموضوعات/المفاهيم الأربعة المختلفة. إذا كانت هذه المفاهيم مهمةٌ لكم، فإنّي أشجّعكم على زيارة الموقع الإلكترونيّ Biblicaltraining.org والانتقال إلى قسم المعرفة الكتابيّة Biblical Literacy وبالتحديد المحاضرات الثلاثة الأولى. سوف تجدون مناقشتي عن هذه المفاهيم الأربعة التي أريدُ أنْ أشارككم إياها باختصارٍ شديد في معرض الحديث عن الكتاب المقدس.

 

1. الوحي

نحن نؤمن بوحي الكتاب المقدس، وبأنّ الكتاب المقدس موحى به. وهذا معناه أساساً أنّنا نؤمن بأنّ الكتاب المقدس خارجٌ من فمّ الله. الوحي تعليم يتعلّق في المقام الأول بالمصدر، ومن ثمّ، إذا انتقلتم إلى رسالة تيموثاوس الثانية 16:3، فيمكنكم أنْ تجدوا بولس يكتب، "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ"، كما تقول بعض الترجمات القديمة، أو "كل الكتاب هو أنفاس الله" كما تقول بعض الترجمات الحديثة. يصيغ بولس في الواقع كلمةً تصعب ترجمتها. فهو يأخذ مرادف كلمة "الله" ومرادف كلمة "تنفسّ"- وهذه مسألةٌ سهلة في اللغة اليونانية- ويدمجهما معاً في كلمةٍ جديدة ويدعونا قائلاً، "خمّنوا معناها وحسب". الكتاب المقدس بجملته هو أنفاس الله.

نؤمن أنّ الكتاب المقدس كلّه هو كلمة الله. يقول بطرس عن الكتاب المقدس في رسالةٍ أخرى اسمها رسالة بطرس الثانية، في الفصل الأول، وبدءاً من الآية 20، "كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ (وهذا هو المصدر) الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". عندما نتحدّث عن وحي الكتاب المقدس، فنحن نؤمن بأنّ أناساً مختلفين جلسوا وكتبوا هذه الكلمات، ولكنهم كانوا مسوقين من الروح القدس. كان الروح القدس يشرف على ما كانوا يكتبونه ليكون ما يكتبونه هو كلمات الله نفسه. هذا هو مبدأ الوحي.

 

2. السلطان

الشيء الثاني الذي أردتُ أنْ أذكره باختصارٍ هو مسألة السلطان بصفةٍ عامة. نحن نؤمن بسلطان الكتاب المقدس. تقول رسالة تيموثاوس الثانية 16:3، "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ". يقول بولس لتيموثاوس إنّه بمّا أنّ مصدر الكتاب المقدس هو فم الله، فالكتاب المقدّس يحمل بالتالي سلطان الله. ولذلك عندما تعلّمون شخصاً ما أو تدرّبونه أو تصحّحونه أو توبّخونه، فلا تستخدموا الكلمات البشرية أو الحكمة البشرية، بل استخدموا كلمة الله.

من هذا المنطلق، فإنّ مبدأ الوحي هو أنّه خارجٌ من عند الله، وبالتالي فلا بدّ أنّه يحمل سلطان الله. لستُ أبشّر بهذا الكتاب ككتابٍ سحريّ. ليس السلطان متأصلاً في الكتاب نفسه. لكنّي أبشّر بما في هذا الكتاب، ونحن نؤمن بالكتاب لأنّنا نؤمن بأنّ كلماته خارجة من عند الله، ومن ثمّ فإنّها خارجةٌ بسلطانه. ولذلك، فإنّ مهمّتي هي أنْ أعلن ما قاله الله وليس ما أعتقدُ به. يرتبط التعليم المتعلّق بالوحي، والتعليم المتعلّق بالسلطان، أحدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً. لذلك أرجو أن تدركوا أنّ الكتاب المقدس لا يشارك سلطانه مع أي شيءٍ أو أي شخصٍ لأنّ الله لا يشارك سلطانه مع أي شيءٍ أو أي شخصٍ.

هذا الكتاب لا ينافس القرآن، أو كتابات جوزيف سميث، أو الفلسفة البشريّة، أو التقاليد الكنسيّة والمراسيم الباباويّة والأقوال الكهنوتيّة. هذا الكتاب لا ينافس أيّ شخصٍ على السلطان لأنّ الله لا ينافس أي شخصٍ على سلطانه. الكتاب المقدس، والكتاب المقدس وحده، هو مصدرنا للسلطان، وللحقّ، وللتوجيه. وهذا الكتاب مرجعنا، لا لأنّه كتابٌ سحريّ أو لأنّه يمكنكم شراؤه بألوان عديدة، ووضع الألوان المبهجة على الهوامش. إنّه مرجعنا لأنّنا نؤمن بأنّه خارجٌ من فم الله.

 

3. القانونية

الشيء الثالث الذي أردتُ الإشارة إليه هو مسألة القانونية بصفةٍ عامة. إنّه موضوعٌ رائع، وهناك العديد من الكتب والمحاضرات المختلفة التي يمكنكم الاستماع إليها إذا أردتم معرفة المزيد حول هذا الموضوع. القانونية معناها ببساطةٍ طريقة عمل الروح القدس من خلال الكنيسة ككلٍ في مساعدة الكنيسة على فهم الأسفار الموحى بها حقاً. كانت هناك أسفارٌ مكتوبة أكثر من الأسفار الستّة والستين، ونؤمن بأنّ الله أرشد الكنيسة المبكرة بأكملها من خلال قوة الروح القدس لتحديد هذه الأسفار الستّة والستين بصفتها الأسفار الموحى بها. أمّا جميع الأسفار الأخرى التي ما زال البعض يتمسّك بها في هذه الأيام قائلين على سبيل المثال،"ينبغي أنْ تقرأوا إنجيل توما"، فحن نؤمن بأنها أسفارٌ زائفة لأنّ الله كان يشرف على الكنيسة في سياق مسألة القانونية.

إذا قال لكم أحدٌ ما، بالمناسبة، إنّ إنجيل توما ينبغي أنْ يضاف إلى الكتاب المقدس، فاسألوه عمّا إذا كان قد قرأه من قبل. ما عليكم إلا أنْ تقرأوا إنجيل توما، وسوف تتأكّدون أنّه لا يمكن أنْ يكون من الكتاب المقدس. إنّه لا يشبه الكتاب المقدس في أي شيءٍ. كُتِبَ هذا الإنجيل في العام 180م، ومن هنا لم يكتبه توما، إلا إذا كان تقدّم في العمر إلى هذا الحدّ، لكن هذا لم يحدث.

4. موثوقية الرسالة

الشيء الرابع الذي أردتُ أنْ أذكره أيضاً هو أنّنا نؤمن بأنّ الكتاب المقدس أهلٌ للثقة. نحن ندين بولائنا للكتاب المقدس لأنّ مصدره الله، ولأنّ الكتّاب عبّروا عنه التعبير الصحيح. فعندما يقولون إنّ "يسوع فعل هذا" أو "يسوع قال هذا"، فإننا نؤمن بأنّ هذا هو ما حدث بالفعل لأنهم مسوقون من الروح القدس الذي وعدهم يسوع به قائلاً، "وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ". ولذلك، فإنّ هذا شاهدٌ أمين على تعليم يسوع في الأناجيل، وهو شاهدٌ أمين على نموّ الكنيسة المبكرة وتعليم الرسل.

أعرفُ أنّه يشيع جداً أنْ يقول المرء في بعض الأوساط، "لا أستطيعُ أنْ أؤمن بالكتاب المقدس. إنّه ليس أهلاً للثقة، علاوة على أنّه مليءٌ بالتناقضات". هناك شيءٌ يطيب لي أنْ أفعله، ولست متأكداً من أنه يجب أنْ أفعل ذلك، ولكننا جميعاً خطاة نلنا الخلاص بالنعمة! ترتسم على وجهي نظرةٌ غريبة فأجدني أقول، "أحقاً؟ هل هو مليءٌ بالأخطاء؟ أرني خطأً واحداً". فيجيبني قائلاً، "إنّه مليءٌ بالأخطاء وحسب، فالأخطاء ترد في كل مكانٍ". فأقول له، "إذا كان مليئاً بالأخطاء، فعليك أنْ تشير إلى خطأ واحد بكل سهولةٍ". إنّهم لا يعرفون مكمن المشاكل، ولا يريدون أنْ يؤمنوا به وحسب. نحن نؤمن بأنّ الكتاب المقدس جديرٌ بالثقة، وبأنّه لا يناقض نفسه. ولذلك، لا يمكنني أنْ أتحدّث عن الكتاب المقدس دون أنْ أذكر هذه المفاهيم الأربعة: وحي الكتاب المقدس، وسلطان كلمة الله، وحقيقة تحديد الكنيسة المبكرة لجميع الأسفار الستة والستين القانونية بقوة روح الله، وأنّ الكتاب المقدس جديرٌ بالثقة. يقول أنبياء العهد القديم، "هكذا قال الربّ"، كما أنّ الكلمات المكتوبة موحى بها من فم الله حقاً.

د. ما موقفكم تجاه الكتاب المقدس؟

ما أردتُ أنْ أؤكّد عليه في هذا الصباح هو موقفكم من هذه المسألة بأكملها. ما موقفكم تجاه هذا الكتاب؟ من المقبول النقاش حول الوحي والسلطان والقانونية والموثوقية، فبعضنا يحبّ النقاش في هذه الأمور. ولكن السؤال المهمّ هو: هل هذا هو الهدف من وجود الكتاب؟ من الواضح أنّ الجواب لا. ولذلك يجب أنْ يكون السؤال هو: ما موقفنا تجاه هذا الكتاب؟ اسمحوا لي أنْ أشجّعكم بأربعة أنشطةٍ مختلفة تجاه الكتاب.

 

1. اقرأوه!

يحبّ بعضنا القراءة، أليس كذلك؟ نحن نحبّ قراءة جميع الكتابات. نحبّ أنْ نقرأ عن الكتاب المقدس، ونحبّ أنْ نقرأ شروحات الكتاب المقدس، ونحبّ أنْ نقرأ السيرّ الذاتية عن تأثير الكتاب المقدس في حياة الناس. ولكن هل نحبّ أنْ نقرأ كلمات الله نفسها؟ من السهل جداً أنْ نجد أنفسنا نقرأ عن الكتاب، ولكن هل نقرأ كلمات الله؟ اسمحوا لي أنْ أشجّعكم على قراءته لثلاثة أسبابٍ مختلفة على الأقل.

أولاً، العلاقات السليمة تتطلّب التواصل السليم. هذا نوعٌ من العبارات الواضحة التأكيديّة، ولكنها صحيحةٌ حقاً. العلاقات السليمة تتطلّب التواصل السليم. إذا أردنا علاقةً سليمة مع فادينا، فعلينا بالتواصل. نحن نتواصل جزئياً من خلال الاستماع إليه فيما نقرأ ما قاله. هذا فكرٌ مشترك بخصوص العلاقات السليمة، ومثل أية علاقةٍ، أودّ أنْ أشجّعكم على الاستماع إلى فاديكم بانتظامٍ وفي أحيانٍ كثيرة.

الوقت المفضّل في يومي هو الساعة الأولى من صباح كل يومٍ. وضعتُ مع زوجتي، روبِن، نظاماً للاستيقاظ مبكراً قبل استيقاظ الأطفال بضجيجهم بعد بضع سنواتٍ من تجربتنا لأشياءٍ مختلفة. وسار الأمر على ما يرام ... حتى الآن. ما زال المكان هادئاً يبعث على السكينة، وبعد تناول أربعة أكوابٍ من القهوة نصبح على استعدادٍ للحديث. نقضي نحو ساعة معاً من الوقت الهادئ الرائع. نسأل أحدنا الآخر، "كيف كانت ليلتك؟ ما هو شعورك؟ ماذا ستفعل اليوم؟" هذا هو التواصل السليم. "ماذا يعلّمك الله؟ ماذا قرأت في الليلة الماضية مما عمل فرقاً في حياتك ربما يدعوك للتأمل فيه في هذا الصباح؟ هذا هو التواصل السليم، أليس كذلك؟ إنّه تواصلٌ منتظم ومتكرّر في كل صباحٍ.

ما ينطبق على زواجنا ينطبق على علاقتنا مع إلهنا، لأننا نحن العروس، أليس كذلك؟ فالرجال والنساء على حدٍّ سواء هم عروس المسيح. علينا أنْ نتواصل معه إذا أردنا علاقةً سليمة معه. ربما سمعتم بعبارة "الوقت الهادئ". تعني الأوقات الهادئة خروجنا إلى مكانٍ هادئ يبعث على السكينة بانتظامٍ، والاستماع فيه إلى الله، ومن ثمّ التحدّث معه. العلاقات السليمة تتطلّب تواصلاً سليماً. وهذا معناه أنّ علينا تخصيص أوقات للاستماع إلى الله.

ثانياً، أريدُ أنْ أشير إلى أنّه إذا لم نقرأ الكتاب، فكيف سنعرف ما يقوله الله لنا؟ إذا لم نقرأه، فكيف سنعرف ما هو الأفضل حقاً؟ إذا لم نقرأه، فكيف سنعرف الصواب حقاً؟ إذا لم تكونوا "في الكلمة"، إذا لم تقرأوه، فكيف ستعرفون أهمّ، أهمّ، أهمّ، أهمّ شيءٍ يجب أنْ تفعلوه كل يومٍ؟ ما هو أهمّ شيءٍ؟ ما هي أعظم وصية تركها الله لنا؟ هل هي الذهاب إلى الكنيسة؟ لا؟ ليست هذه، بل "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ". إذا اكتفيتم بعمل هذه الوصية، فقد عملتم أهمّ شيء.

ولكنّكم لن تعرفوا ذلك إنْ لم تقرأوا. لن تعرفوا أنّنا في حالة استنساخ، أتعلمون ذلك؟ المسيحيون هم المستنسخون الأوائل للكون، لأنّ التلاميذ كانوا يتكاثرون. ولكنّكم لن تعرفوا ذلك إنْ لم تقرأوا الإرسالية العظمى. يقول يسوع، "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا". هذا هو هدف وجودنا هنا، أنْ نتلمذ ونعمّد " بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". يجب على كل منّا أنْ يشارك في الكرازة بطريقةٍ أو بأخرى، وعلى كلٍ منّا أنْ يشارك في تلمذة أناس مكرسين. قال يسوع، "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". لن تعرفوا هذه الأمور إنْ لم تمضوا الوقت في القراءة. ولذلك، إذا أردتم أنْ تعرفوا ما يكنزه إلهنا الكُلّيّ الحكمة والكُلّيّ الصلاح لكم قائلاً، "هذا هو الأفضل، وهذا هو الحقّ"، فينبغي أنْ تستمعوا إليه. ولن تقدروا أنْ تستمعوا إليه ما لم تقرأوا كلمته، أليس كذلك؟

أريدُ أنْ أذكر أيضاً أنّه يجب أنْ تطلبوا من الروح القدس أنْ يساعدكم على الفهم، حتى يكون أفضل معلّم لكم فيما تقرأون الكتاب. فالروح القدس أفضل من الواعظ، وأفضل من المعلّم في مدارس الأحد، وأفضل من جميع الكتب التي ربما ترغبون في قراءتها عن الكتاب المقدس. الروح القدس هو أحسن معلّمٍ لكم. يقول بولس لكنيسة كورنثوس، "إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". قبل أنْ تصيروا مؤمنين، أعمى الشيطان أعينكم، أمّا الآن فانقشعت تلك الغمامة. ولكن أمامكم وأمامي عملٌ كثير لنتمّمه، ونفعل ذلك بطلب المساعدة من الروح القدس على فهم ما يقوله لنا الله أبونا.

يقول بولس في رسالة كورنثوس الثانية، الفصل الثاني، بدءاً من الآية 12، "وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ. الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضاً لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ". دعونا نعاهد أنفسنا أنْ نكون أهل الكتاب. ليس الهدف من ذلك مجرّد إرضاء الآخرين أو نوال رضا الله، أو شيئاً من هذا القبيل. ولكن هذا هو الحسّ السليم. لقد دخلنا في علاقةٍ جديدة. وإذا أردنا علاقةً سليمة، فنحن بحاجةٍ إلى التواصل. ينطوي التواصل على الاستماع، ونحن نستمع من خلال القراءة.

 

2. تأملوا فيه!

ثانياً، اسمحوا لي بأنْ أشجّعكم على التأمل في الكتاب المقدس. عندما أتحدّث مع روبن في الصباح، تقول لي في أحيان كثيرة بعض الكلمات التي لا أستوعبها. لا أجد لهذه الكلمات أي معنى. ولكنها عادةً ما تكون محقّة، وأكونُ مخطئاً، ولذلك عندما لا أستوعب الكلمات، فعادةً أكون أنا السبب. فأنا بحاجة إلى بعض الوقت للتأمل. تحبّ روبن قراءة كتابات الناس الراحلين. إذا أردتم أنْ تعرفوا مصدر أمثلتي التوضيحية، فاعلموا أنّ روبن قدّمتها لي إذا كان الشخص المذكور فيها يبلغ من عمره أكثر من 100 سنة. إنّها تحبّ قراءة كتابات الناس الراحلين. من الجيد قراءة الكتابات المفيدة. وهي تقدّم لي هذه الأمثلة التوضيحية، وتناقش الموضوعات التي كانت تناقشها الكنيسة في عام 1850. أستغرقُ بعض الوقت للتأمّل في بعض هذه الأمور، والتفكير فيها. ولكنني ملتزمٌ جداً بعلاقتنا، وأثقُ بزوجتي كثيراً لدرجة التزامي بالتأمل في كلماتها. أنا ملتزمٌ بالتأمل والتفكير مراراً، حتى وإنْ كانت الكلمات لا تعني لي الكثير في البداية، كما أنني ملتزمٌ بتصديقها إن لم أجد ما ينافي قولها. هذا هو التأمل.

ربما يعترض بعضكم الآن عندما أتطرّق إلى "التأمل" وتفكرون في التأمل حسب الأديان الشرقية. ولكنْ ليس هذا هو ما أتحدّث عنه. فالتأمل القادم من الشرق الأقصى هو خاطئٌ تماماً، تماماً، تماماً، لأنهم يعلّمونكم بأن تفتحوا عقولكم. هذا هو التأمل حسب وجهة نظرهم. كل ما عليكم عمله هو التحدّث إلى شخصٍ كان يتبع الحركة الشيطانيّة وسوف يخبركم أنّ الشيطان لا يحبّ أكثر من المسيحيين الأطفال الذين يتأملون و"يفتحون عقولهم" لأنّ الشيطان سوف يتحرّك مباشرةً ليملأ هذا الفراغ. أمّا التأمل المسيحيّ فهو على العكس تماماً، إذ يعني أنْ تملأوا أذهانكم بأمور الله. التأمل المسيحيّ معناه أنْ تملأوا أذهانكم بأمور الكتاب المقدس، وتتأملوا وتتفكّروا فيها، وتصدّقوها لأنكم تعرفون في نهاية المطاف أنّها حقّ.

هكذا تقرأون الكلمة، وتسمعونها، وتفكّرون وتتأمّلون فيها. يتطلّب هذا الأمر مجهوداً، لكنّه يستحقّ ذلك، أليس كذلك؟ تستحقّ العلاقة مع الله مجهود التأمل والتفكير. سواء كنتم تقودون السيارة إلى مكان عملكم، أو كنتم في استراحة تناول القهوة، أو كنتم تتناولون الغداء، أو كنتم تشعرون بالإرهاق لجلوسكم أمام الكمبيوتر وبحاجةٍ للاستراحة لمدة عشر دقائق، فتوقّفوا وتأملوا. توقّفوا واملأوا أذهانكم بكلمات الكتاب المقدس التي قرأتموها. كرّروا الآية التي حفظتموها، واطلبوا من الله أنْ يساعدكم على فهمها وتطبيقها في حياتكم. إذا عملتم هذا، فهل تعرفون وعد الكتاب المقدس؟ إنّه يعدكم بالبركة. كم أحبّ أنْ يباركني الله ولا أعلم إنْ كنتم مثلي.

المزمور الأول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ". طوبى لمن يبعد عن الأشرار. "لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً"، أي يلهج في الكتاب المقدس "نهاراً وليلاً". أمّا الشخص المبارك "فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِيِ الْمِيَاهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ". هذه هي بركة الله أنْ نكون هذه الشجرة المغروسة عند مجاري الحياة التي تنبع منه وتتدفق من خلال كلمته المقدسة. وبينما نستمدّ الغذاء من ذلك المجرى، ننمو ونصبح أشجاراً للبرّ. ولكنْ لا يمكنكم تحقيق ذلك بمجرّد القراءة، فالأمر يتطلّب هذا التأمل والتفكرّ واللهج.

 

3. احفظوه!

ثالثاً، دعوني أشجّعكم على حفظه. ربما يقول أحدكم، "لا يمكنني أنْ أحفظ أي شيءٍ منذ حفظي للشعر في الصفّ الخامس!" دعوني أشجّعكم كما كنتُ أشجّع نفسي على حفظ الكتاب المقدس. فالحفظ يستحقّ المجهود. من الرائع أنْ يكون حقّ الله على طرف لسانكم. ومن الرائع أنْ تتشبّع أذهاننا بكلمات الله حتى نعرف ما هو صحيحٌ بغضّ النظر عما يحدث، وتتكوّن لدينا فكرة جيدة جداً عن كيفية الردّ على هذا الموقف.

يقول المرنّم، "خَبَّأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ". كيف لنا أنْ نعرف معنى الخطية ما لم نخبئْ كلام الكتاب المقدس في أذهاننا ونحفظه؟ هكذا نحفظ الكتاب، والآيات، وربما المقاطع والفصول حتى نكون مستعدين عندما نواجه التجربة. نعرف أنّ يسوع عندما واجه التجربة ردّ بالطريقة نفسها ثلاث مراتٍ، أليس كذلك؟ لقد اقتبس كلمات الكتاب المقدس. عندما نواجه التجربة وتقول التجربة لكلٍ منّا، "امضِ وافعل ذلك. هذا أمرٌ خطير ولكن يمكنك اختبار الله إذ وعد بأنْ يرعاك"، تمرّ بأذهاننا الآية القائلة، "لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ"، لأننا حفظنا ردّ يسوع على الشيطان.

ربما تكون الحياة صعبة والضغوط ثقيلة علينا، فيمرّ بذهن كلٍ منّا فكرٌ يقول، "مهلاً، إذا كان هذا هو معنى المسيحية، فإني لا أريدُ أنْ تربطني بها أي علاقةٍ. إنها ليست شيّقة كما أنّها صعبةٌ للغاية"، فنتذكر قول يسوع، "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ". تمرّ هذه الآية بأذهاننا فيقول كلٌ منّا، "إذا كان يسوع قد وعد بأنّ نيره هيّن وحمله خفيف، فلماذا أئنٌ تحت هذا الظلم؟" فتساعدنا الآية على الفهم.

تتصاعد حدّة العزلة في الثقافة الغربية إلى أعلى مستوياتها. فرغم أنّ مستويات الاتّصال لدينا وصلت القمة، إلا أنّ معظمها اتصالاتٌ زائفة وليست هناك المودة العميقة التي نتلهّف إليها. يشعر بعض الناس بوحدةٍ رهيبة. عندما تكونون في وحدةٍ تامة، تمرّ بأذهانكم كلمات يسوع الأخيرة لتلاميذه في إنجيل متى، "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". هذه هي روعة الحفظ إذ تكون هذه الآيات على طرف لساننا، وتكون أذهاننا مشبعةٌ بكلمات الله نفسه، حتى إذا تعرّضنا لأحد المواقف يكون لدينا الحلّ، والحقّ، والكثير من وسائل المساعدة.

لاحظتُ أنّ التقريبية لا قيمة لها. هل لاحظتم ذلك؟ عندما تتعرّضون لموقفٍ صعب فربما تشعرون بالقلق. سمعتُ عن حادثٍ في الليلة الماضية تحدّثت عنه ابنة شخص ما- وليست ابنتي- في مدينة ألباني، وكان يبدو أنّ شركات الطيران لم تبالِ البتّة لأمرها بأنها لم تركب الطائرة. كانت هناك نزعةٌ للقلق، فتمرّ الآية بأذهاننا، "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ". كما تمرّ الآية التي قدّمها بولس لكنيسة فيلبي بأذهاننا، "وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". انظروا، هناك فرقٌ بين أن تكون ابنتك عالقة في ألباني وتقول، "يا الله، إني أشعرُ بالقلق هنا. حسناً، ما هي الآية؟ وعدني الله بالسلام، ولكن أين هو السلام؟" إني لا أشعر به، أليس كذلك؟ وبين الآية القائلة، "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". أترون؟ هذه هي قوة الذاكرة. أودّ أنْ أشجّعكم فيما أبدأ أكثر فأكثر في تشجيع نفسي لتذكّر كلمات الكتاب المقدس حتى تكون على طرف لساني ويتشبّع بها ذهني.

 

4. أطيعوه!

رابعاً، اسمحوا لي أنْ أشجّعكم على إطاعته. أحياناً نشعر بأنّ واجبنا كله هو أنْ نعرفه، ولكنْ ليس علينا أنْ نعمل هذا فعلاً. يمكنني اقتباس الآيات التي تتحدّث عن عدم القلق، ولكن ماذا يحدث عندما تأتي تجربة القلق؟ دعوني أشجّعكم ألّا تكتفوا بقراءته، أو بالتأمّل فيه، أو بحفظه، ولكن يجب علينا أنْ نطيعه، أليس كذلك؟ عندما تعرفون الكتاب المقدس ولا تطيعونه، فهذا معناه "حماقة".

يقول يسوع في ختام أشهر موعظة في العالم، وهي الموعظة على الجبل، "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ. فَنَزَلَ الْمَطَرُ وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ وَوَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ. وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ. فَنَزَلَ الْمَطَرُ وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ وَصَدَمَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً!" ليس من المهم أنْ نعرف الكتاب إنْ كنّا لا نطيعه ونطبّق تعاليمه. أتعرفون ما سيحدث عندما نقرأه ونعرفه ونطيعه؟ سوف نثق به.

يدعّي العالم كثيراً أنّه يملك الحقيقة، أليس كذلك؟ لدينا الكثير من الأشياء التي يقول العالم إنّها صحيحة، ولدينا الكتاب المقدس، وعلينا أنْ نختار. هل سنصدّق العالم أم سنؤمن بالله؟ هذه مجرّد مرحلة نمرّ بها جميعاً، أليس كذلك؟ كنتُ أشاهد برنامج "ستون دقيقة" منذ فترةٍ قصيرة، وقالوا فيه إنّه من غير المعقول الاعتقاد بأنّ أي إنسانٍ يمكنه كبح دوافعه الجنسيّة. وقد وصفَنا الشخص المتحدّث بأنّنا مثل الكلاب. لا يمكنكم أنْ تتوقعوا من الكلب أنْ يكبح سلوكه الجنسيّ، وبالتأكيد لا يمكنكم أنْ تتوقّعوا من مراهقينا ذلك. هذا ما يقوله العالم.

يؤكّد الكتاب المقدس على حقيقةٍ مختلفة فيقول، "وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ". عندما تقرأون هذه الكلمات، ربما يفكّر كلٌ منكم قائلاً، "من أصدّق؟ أعرفُ أنّه يجب أنْ أؤمن بهذا الكتاب، ولكن كل شيءٍ في داخلي يخبرني بأنْ أصدّق الآخر". علينا أنْ نختار. أحياناً نختار العالم ونقول لله إنّه لا يعرف ما يتحدّث عنه. وأحياناً نختار أنْ نؤمن بالله، حتى إذا كان هذا لا يشكّل أي معنى بالنسبة لنا. هل سبق وأخطأ الله؟ والجواب لا، لم يحدث قطّ. وحتى في تلك الحالات، لاحظتُ هذا في حياتي عندما كنتُ أقرأ الكتاب المقدس وأقولُ لنفسي، "أتعرف؟ إن لم يكن الله هو منْ يقول هذا، فمن المستحيل أنْ أؤمن به لأنّ هذا هو أسخف شيءٍ سمعتُ به طيلة حياتي". "لا تخرج ضحكة حمقاء من أفواهكم". هذا غباءٌ. ولكن فيما نختار الإيمان والطاعة، نكتشف أنّ الله صادقٌ دائماً. إنّه أمينٌ على الدوام، وهذا يبني الثقة.

عندما نطيع وننمو في ثقتنا، نبدأ في التغيّر، وهذا هو الهدف النهائي من هذا كله. يقول بولس لكنيسة كورنثوس، "وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ". عندما نطيع الكتاب المقدس وتنمو ثقتنا به، نبدأ في التغيّر لأننا نبدأ في التشبّه بيسوع أكثر فأكثر. صلاتي أنْ يحدث هذا لكل واحدٍ منّا في هذه الكنيسة وأنْ نصير أهل الكتاب.